الحكيم الترمذي
133
كيفية السلوك إلى رب العالمين
يكره ؛ علم أنه من تقدير ربه وحكمه عليه ، فانقاد له وتذلّل . والكافر جعل فرحه أشرا وبطرا ، وتوتّب في محارمه ، وجعل ترحه جزعا وسخطا على ربه بجهله باللّه - سبحانه وتعالى - . فإذ قدموا على ربهم جاء المؤمن بنور شكره ونور صبره ، وجاء الكافر بظلمة بطره وظلمة جزعه ، ثم يبين للمؤمن تفاوت وتفاضل في النورين ، فكلّ إنما يجيء من النور بقدر شكره وصبره ، فإنما يشكر العبد ويصبر على قدر يقينه وعلمه باللّه وثقته به وتوكله عليه ورضائه عنه وتفويضه إليه وقربه منه ، فلو لم يظهر هذا بالأعمال متى كان يظهر تفاوتهم وتفاضلهم ، فأول ما ابتلانا به من الأعمال الوضوء . ذكر علّة الوضوء وأمّا علّة الوضوء فإن الوضوء : من موضع الحدث من بلة أو ريح يخرج من الجسد ، وذلك أن آدم - صلوات اللّه عليه - كان منزها معصوما من أن يجد الشيطان إلى جوفه سبيلا ؛ إذ هو في الجنة ، فلما افتتن آدم - صلوات اللّه وسلامه عليه - بالتناول من الشجرة ولم يؤذن له ، فإنما تناولها بخدع الشيطان ، فوجد إلى جوفه سبيلا مع تلك الأكلة التي نهاه اللّه - سبحانه - عنها ، فاستقرت المعدة في موضع الفضول ، فأنتن ذلك الموضع باستقرار هذا الرجس النجس هاهنا ، فصار ذلك وراثة في ولده . فهناك مستقرة في جوف الآدمي ، فإذا خرج ريح الفضول أو بلة ؛ فإنما يخرج من مستقره ، وإن طريق إبليس من مواضع الحدث ؛ فلذلك صار موضع الحدث ؛ لأنه طريقة وليس له سبيل من قبل مخرج التوحيد والقرآن ، فصار ذلك الطريق موضع حدث ، فما خرج منها لزمها التطهير ؛ لأنه ينجّس بنجاسة الشيطان وكفره . ولذلك قال أهل المدينة في الدم : إنه لا يجب فيه الوضوء ، ولا في الرعاف ولا في القيء ، من هاهنا أخذوه . وقال أهل الفقه من أهل الكوفة : هذا كله نجس من طريق ، فمن طريق النجاسة التزموه ، ومن أجل هذه العلة صار نجسا .